جلال الدين السيوطي
169
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وروى الخطيب من طريق يموت بن المزرع ، قال : قال لنا عمرو بن بحر الجاحظ : ما غلبني أحد إلا رجل وامرأة ، فأما الرجل ، فإني كنت مجتازا في بعض الطرق ، فإذا أنا برجل فقير بطين كبير الهامة طويل اللحية مؤزّر بمئزر وبيده مشط يسقي به شقّه ، ويمشطها به ، فقلت في نفسي : رجل قصير بطين ، فاستزريته ، فقلت : أيّها الشيخ : قد قلت فيك شعرا . قال : فترك المشط من يده ، وقال : قل ، فقلت : كأنّك صعوة في أصل حشّ * أصاب الحشّ طشّ بعد رش فقال لي : اسمع جواب ما قلت . فقلت : هات ، فقال : كأنّك تندب في ذنب كبش * تدلدل هكذا والكبش يمشي وأما المرأة ، فإني كنت مجتازا في بعض الطرقات ، فإذا أنا بامرأتين ، وكنت راكبا على حمارة ، فضرطت الحمارة ، فقالت إحداهما للأخرى : ذي حمارة الشيخ تضرط . فغاظني قولها : فقلت : إنّه ما حملتني أنثى قط إلا ضرطت . فضربت بيدها على كتف الأخرى ، وقالت : كانت أمّ هذا منه تسعة أشهر في جهد جهيد . وروى الخطيب من طريق أبي بكر الجرجاني ، قال : أنشدنا المبرّد لأبي كريمة البصريّ بقوله للجاحظ : لم يظلم الله عمرا حين صيّره * من كلّ شيء سوى آدابه عاري بتّت حبال وصالي كفه قطعت * لما استعنت به في بعض أوطاري فكنت في طلبي من عنده فرجا * كالمستغيث من الرمضاء بالنار إني أعيذك والمعتاذ محترس * من شؤم عمرو بعزّ الخالق الباري فإن فعلت فحظ قد ظفرت به * وإن أبيت فقد أعلنت إسراري وروى الخطيب من طريق المبرّد ، قال : حدثني الجاحظ ، قال : وقفت أنا وأبو حرب على قاصّ ، فأردت الولع به ، فقلت لمن حوله : إنّه رجل صالح لا يحبّ الشهرة ، فتفرّقوا عنه ، فتفرقوا ، فقال لي : الله حسيبك إذا لم ير الصيّاد طيرا كيف يمدّ شبكته ؟